بعد العسكري… المقاومة تضرب سياسياً: التنقيب والغاز وتثبيت الحدود
قتنعت أميركا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وقبلهم إسرائيل، أن “حزب الله” لن يخرج مهزوماً من المعركة التي افتتحها في الجنوب تحت عنوان إسناد المقاومة في قطاع غزّة. لذلك، مثلاً، لا يُقرأ قرار الولايات المتحدة تجميد حراك موفدها إلى المنطقة عاموس هوكشتين إلاّ من خلفية إدراك واقعي من جانب الأخير وإدارته بأن تل أبيب في حالة ضعف وينتابها قلق شديد حول المصير، وأن أي اتفاق محتمل مع لبنان في مثل الظروف الحالية سيأتي على حسابها، وأنه ليس في وسع الولايات المتحدة تطمينها بعد، ببساطة لأنها توصلت أخيراً إلى إستنتاج مفاده أنها غير قادرة الآن على تحصيل امتيازات من جانب لبنان وعبره من الحزب. لذلك يفضلون تجميد الوساطات الأمنية راهناً ريثما تتعدل الشروط، والتفرغ في هذا الوقت لإنضاج ظروف مختلفة، والعمل على خلق خطط التفاف بديلة و “الركّ” على أداء السفيرة ليزا جونسون وتركها تملأ الوقت في ملف الرئاسة.
في المقابل هناك أشخاص لا يقتنعون أبداً بأن العالم يتغيّر، لا في المعطيات ولا من خلال كل التطورات أو ما يجري من حولهم. من بينهم رئيسا “القوات اللبنانية” والكتائب سمير جعجع وسامي الجميل. رغم كل ما حصل ويحصل، ما زال الأول يُراهن على ضربة تحدّ من قوّة “حزب الله” وتأتي بنتائج سياسية. ولأجل ذلك ما زال “يتبجّح” أمام من يقابلهم أن في استطاعته “إمساك الشارع” المسيحي والتمهيد لتغيير مصدره الأرض. الثاني ما برح يُراهن على قرارات دولية تؤثر في حضور الحزب داخلياً. لذا، يبادر إلى رفع صوته في كل مناسبة وعندما تسمح الفرصة.
على الجبهة نفسها ثمة كثر يرتفع صراخهم في محاولة منهم لإظهار وجودهم ولتدارك الأسوأ. والأسوأ بالنسبة إليهم أن يخرج الحزب “من المطحنة” متقدماً في النقاط على الجميع ما يصلح لتقريشه في الداخل؛ وحيث أنهم يحسبون أن هذه النتائج ستأتي على حسابهم بالدرجة الأولى، كبقايا نواب “التغيير” ومن صَفِيَ من “السياديين” وليس بعيداً عنهم “تريو” فؤاد مخزومي – أشرف ريفي – ميشال معوض. وعلى مبدأ أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، قام هؤلاء كلّهم أخيراً بـ”تشغيل” مجموعة من الإعلاميين والناشطين بهدف “الركّ” على مسألتين داخليتين لا ثالث لهما: فتح النقاش في ملف الدمار نتيجة الإعتداءات في الجنوب والتصويب عليه إعلامياً وعبر مواقع التواصل، وتحميل مسؤوليته إلى حزب الله، واللعب على وتر الأرقام وتكلفة إعادة الإعمار، وإشاعة جو من الخوف على المصير، والغمز بأن الحزب لن يستطيع إعمار ما دُمِّر من دون وجود مانحين ودول. المسألة الثانية التركيز على احتمال توسّع الحرب، وما سينتج عنها من تكلفة، وإخافة اللبنانيين من أن البيوت إذا ما دُمِّرت فلن نستطيع إيجاد من يعيد بناءها أو ترميمها.
على المقلب الآخر، يتصرّف “حزب الله” بكثير من “الأدب” مركزاً على الأساس، أي الجنوب، رافضاً التعاطي في أمور يراها “هامشية” مقارنة بأهمية الجبهة. فمثلاً وعندما استعيدت قبل أسابيع “نغمة” الموفدين الدوليين والطلبات المستمرة الأميركية والفرنسية لإبعاد “قوة الرضوان” عن الشريط الحدودي، مترافقة مع كلام منسوب إلى “أشخاص” حول أن الحزب قد تراجع فعلاً عن الشريط أو أنه في هذا الوارد، جاءهم الإعلام الحربي بشريط يوثِّق قيام مقاومين يتمركزون على بعد أمتار من الشريط في القطاع الغربي، بنشاط حربي تخلّله قصف لموقع “راميا” بالصواريخ، وكأن الحزب ينشر رسالة مفادها “إننا ما زلنا هنا”. أكثر من ذلك، أخذ الحزب يتصرّف خلال الفترة الأخيرة على أن كل قواته هي “قوات رضوان”، وأخذ يوسّع حضوره العسكري والميداني، وينفِّذ ضربات ويتوسّع في تنفيذ ضربات. من يتصرّف على بعض الشاشات وعلى المنابر موحياً أنه العارف بكل شيء، يسقط في دوامة الخطأ في تقدير ما لدى الحزب على الأرض، ويغيب عنه أن المقاومة، مثلاً، ما زالت منذ 7 أشهر غير مستنفرة بكامل قوتها، وتمنح أولوية العمل عند الحافة إلى أفواج التشكيلات العسكرية التقليدية المنتشرة في المناطق الحدودية من خارج تشكيلات “الرضوان”، من ضد الدروع إلى الدفاع الجوي والسلاح المسيّر والهندسة والإشارة والمشاة…ألخ، وإن الحزب في قاموسه، تجاوز منذ زمن بعيد شيئاً إسمه “قوة الرضوان” فقط عند الحافة الأمامية، وبات بنظره كل الحزب “قوات الرضوان”.