هوكشتاين في بيروت بعد تل أبيب: مؤشر على إرتفاع المخاطر والرغبة في ضبطها
مرة جديدة يعود المستشار الرئاسي الأميركي عاموس هوكشتاين إلى إسرائيل ولبنان، بعد أن كانت المواجهات على الجبهة الجنوبية قد شهدت تصعيداً كبيراً، في الأيام الماضية، على وقع تهديدات مستمرة، من قبل تل أبيب، بالذهاب إلى عدوان شامل، لتفادي الوصول إلى هذا السيناريو الخطير، الذي تدرك واشنطن أن تداعياته لن تقتصر على هذه الجبهة، بل من الممكن أن تقود إلى تفجير المنطقة برمتها.
من حيث المبدأ، كان هوكشتاين من المسلّمين بصعوبة الوصول إلى تسوية على هذه الجبهة، قبل الوصول إلى إتفاق على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إنطلاقاً من الموقف الحاسم الذي كان قد تبلغ به، بصورة غير مباشرة، من جانب “حزب الله”، ولذلك لم تشهد الفترة الماضية أي تحرك من قبله، بإستثناء التأكيد المستمر على تسوية، يتم العمل على تطبيقها بعد إنتهاء العدوان على غزة، حيث الحديث عن أن الإتصالات مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري قطعت شوطاً طويلاً.
ما تقدم، يدفع مصادر متابعة إلى التأكيد، عبر النشرة”، أن هذه الزيارة تنحصر بهدف واحد هو منع خروج الأمور عن السيطرة، على قاعدة دفع إسرائيل إلى الإقتناع بأن الهدوء على هذه الجبهة لن يعود قبل وقف العمليات العسكرية في غزة، وهو ما كانت قد تبلغت به، ولو بشكل غير مباشر، خلال زيارة وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن إلى تل أبيب، حيث حاول إغراء رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بأن الحل في القطاع سيجنب إسرائيل الذهاب إلى عملية عسكرية في جنوب لبنان.
وتلفت هذه المصادر إلى أن مهمة هوكشتاين هي حصرا لإقناع تل أبيب بهذا التوجه، أي عدم الذهاب إلى عدوان شامل، على قاعدة أن “حزب الله” ليس هو المبادر إلى الخطوات التصعيدية الكبيرة، بل على العكس من ذلك هو يردّ على ما تقوم به إسرائيل في هذا المجال، لا بل أكثر من ذلك يتجنب أن تخرج ردوده عن الإطار العام لقواعد الإشتباك، من خلال عدم المبادرة إلى إستهداف المدنيين، بالرغم من التمادي الإسرائيلي في هذا الاطار.
إنطلاقاً من ذلك، تستبعد المصادر نفسها قدرة المستشار الرئاسي الأميركي على إقناع الجانبين، الإسرائيلي واللبناني، بالوصول إلى ترتيبات متعلقة بالواقع الحدودي في هذه الزيارة، على قاعدة أن الأمر مرتبط بالحل النهائي في غزة، لكنها تشير إلى أن المرجح هو نجاحه في تأجيل إنفجار الأوضاع جنوبا، وهو ما عملت عليه الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة، في الأشهر الماضية، منذ السابع من تشرين الأول الماضي.
في هذا الإطار، تُطرح الكثير من الأسئلة حول إمكانية موافقة تل أبيب على المقترح الأميركي، أي الإلتزام بعدم التصعيد الكبير، نظراً إلى ان إدارة الرئيس جو بايدن ستبقى مصرة على محاولة الوصول إلى إتفاق في القطاع حتى النهاية، وهي تطلب من العديد من الدول، الإقليمية والعربية، الضغط على قيادة حركة “حماس” لتقديم تنازلات، بالرغم من أن العقدة تكمن في الموقف الإسرائيلي.
بالنسبة إلى المصادر المتابعة، لا تزال الولايات المتحدة، بالرغم من كل التهديدات الإسرائيلية، قادرة على السيطرة على الموقف، بحيث تبقى تل أبيب عاجزة عن الذهاب إلى عملية عسكرية لا تحظى بموافقة واشنطن، لكنها في المقابل تشير إلى أن مستوى المخاطر في إرتفاع مستمر، وهو ما دفع الإدارة الأميركية إلى إرسال هوكشتاين إلى المنطقة، وإلا لكان من الممكن أن يستمر في الإتصالات التي يقوم بها عن بعد، وتضيف: “يبدو أن هناك قلقاً من خطوة مجنونة قد تقدم عليها تل أبيب، خصوصاً أن الحسم في توجهاتها، في ظل تنامي نفوذ أحزاب اليمين المتطرف على رئيس حكومة الحرب الاسرائيلية بنيمين نتانياهو، غير ممكن”.
في المقابل، ترسم هذه المصادر الكثير من علامات الإستفهام حول المدى الذي ستبقى فيه الولايات المتحدة، قادرة على منع إسرائيل من أي خطوة غير محسوبة النتائج، حيث تلفت إلى أنها على ما يبدو، تستعجل الوصول إلى حل على هذه الجبهة، إلا أنها تشير إلى أن التوقعات تصب في إطار أنها لن تذهب إلى أي مغامرة، على الأقل في الوقت الراهن، خصوصاً مع ادراكها أن الحرب مع “حزب الله” لن تكون نزهة.
في المحصلة، ترجح المصادر نفسها أن ينجح هوكشتاين في خفض التصعيد، على الأقل لفترة قصيرة، كما حصل بعد الزيارات التي قام بها في الفترة الماضية، لكنها ترى أن الأمور ستعود إلى التصاعد في مرور الوقت، طالما لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، من دون الحسم فيما إذا كانت تل أبيب في وارد الذهاب إلى حرب شاملة، في ظل المأزق الإستراتيجي الذي تمر به، والمخاوف الكبيرة التي لدى سكان المستوطنات الشمالية، التي قد لا تعالجها فرضية العودة إلى الواقع الذي كان قائماً قبل 7 من تشرين الأول الماضي.